الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وعند قوله : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ في سورة الأنعام [ 120 ] . وتولي الأمر : مباشرة عمله والتهمم به . والكبر بكسر الكاف في قراءة الجمهور ، ويجوز ضم الكاف . وقرأ به يعقوب وحده ، ومعناه : أشد الشيء ومعظمه ، فهما لغتان عند جمهور أئمة اللغة . وقال ابن جني والزجاج : المكسور بمعنى الإثم ، والمضموم : معظم الشيء . وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ هو عبد اللّه بن أبي بن سلول وهو منافق وليس من المسلمين . وضمير مِنْهُمْ عائد إلى الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ . وقيل : الذي تولى كبره حسان ابن ثابت لما وقع في « صحيح البخاري » : « عن مسروق قال : دخل حسان على عائشة فأنشد عندها أبياتا منها : حصان رزان ما تزنّ بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت له عائشة : لكن أنت لست كذلك . قال مسروق فقلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل اللّه تعالى : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ فقالت : أي عذاب أشد من العمى » . والوعيد بأن له عذابا عظيما يقتضي أنه عبد اللّه بن أبي بن سلول . وفيه إنباء بأنه يموت على الكفر فيعذب العذاب العظيم في الآخرة وهو عذاب الدرك الأسفل من النار ، وأما بقية العصبة فلهم من الإثم بمقدار ذنبهم . وفيه إيماء بأن اللّه يتوب عليهم إن تابوا كما هو الشأن في هذا الدين . [ 12 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 12 ] لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ( 12 ) استئناف لتوبيخ عصبة الإفك من المؤمنين وتعنيفهم بعد أن سماه إفكا . و لَوْ لا هنا حرف بمعنى ( هلا ) للتوبيخ كما هو شأنها إذا وليها الفعل الماضي وهو هنا ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ . وأما إِذْ سَمِعْتُمُوهُ فهو ظرف متعلق بفعل الظن فقدم عليه ومحل التوبيخ جملة : ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً فأسند السماع إلى جميع المخاطبين وخص بالتوبيخ من سمعوا ولم يكذبوا الخبر . وجرى الكلام على الإبهام في التوبيخ بطريقة التعبير بصيغة الجمع وإن كان المقصود